تحدثنا في المقال السابق عن ثلاثة أوهام رئيسية وهي وهم دولة 67، ووهم سلطة مقاومة تحت الاحتلال، والأخير صناعة قرار فلسطيني مستقل تحت الاحتلال.
في هذا المقال سوف نتناول ثلاثة أوهام أخرى وهي هو إصلاح البيت الفلسطيني دون قيادة انتقالية، ومصطلح “طرفي الانقسام”، ووهم تحرير فلسطين دون مقاومة مسلحة، والأخير هو وهم قيادة المشروع الوطني بقيادة متنازلة عن الوطن “تمظهرات” الدولة قبل نجاح الثورة.
الوهم الرابع والخامس: هو إصلاح البيت الفلسطيني دون قيادة انتقالية، ومصطلح “طرفي الانقسام”.
تنوعت البدائل لإصلاح البيت الفلسطيني، وعلى مدار الستة عشر الماضية أثبت هذه السنوات وما تحملها من تجربة "أن الضرب في الميت حرام"، على الرغم من الضرب المستمر على وتر أهمية إصلاح البيت الفلسطيني لعل ميتنا يكون فاقد الوعي ويفيق من كفوفنا وركلاتنا ولكن لا فائدة من الممكن أن تسجل بالرغم من كل الاتفاقيات واللقاءات التي عقدت من أجل إنهاء ما يعرف بالانقسام.
ينتظر د. محسن من وجهة نظرة ظروف ذاتية وموضوعية لتغيير الوضع الفلسطيني، ولا يتناول د. محسن فكرة الانتظار فقط بل يدعوا إلى المحاولة الجادة لإصلاح البيت الفلسطيني، على الرغم من عدم وجود شريك في السلطة القائمة على اتفاق اوسلوا تريد تحقيق ذلك.
التفرد بالقرار الفلسطيني وخصوصا بقرار منظمة التحرير من قبل حركة فتح ادخل القضية الفلسطينية في متاهة، وجعل سقف منظمة التحرير يوشك على الهلاك بسبب وقوفه على عامود واحد، على الرغم أن عامود المنظمة الذي يقودها إلى التحرير هو "الوحدة الفلسطينية".
منذ عام 2006 دخلت القضية الفلسطينية في مرحلة جديدة مشروعان مختلفان وفي هذا الصدد يقول د. محسن صالح: فلسنا أمام مجرد “طرفين مخطئين”، بحاجة فقط للخروج من حساباتهما الذاتية، وإنما أمام اتّجاهين مختلفين في الرؤية والمنهج ومسارات العمل وأولوياته، ومختلفين في العقلية التي تُدار بها الأمور، ومختلفين في طريقة الاستناد إلى الشرعيات. ومن ثم، فتعبير “طرفي الانقسام” بالشكل الذي يتم استخدامه فيه، يعطي إيحاء مُضلّلا، وهو غير دقيق علميا وموضوعيا.
ويتوافق بالرأي معه الامين العام لحركة الجهاد الاسلامي زياد الخالة بقوله: "المصالحة غير ممكنة، وأن أي وساطة في هذا الإطار ليست سوى تضييع وقت"، متسائلاً: "كيف يُمكن الجمع بين برنامجين متناقضين، أحدهما يتبنى المقاومة والآخر يرفضها؟"، كأن حال لسانه يقول: " مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان".
ويقول ايضاُ الاسير الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احمد سعدات: "أن قرار المصالحة يفتقد للإرادة السياسية والوطنية"، وإذا اردنا أن نزيد من الشعر بيت على حديث أحمد سعدات علينا إدراك أن قرار المصالحة يجب أن يكون داخلي فلسطيني قبل أن يكون خارجي بالتحرر من عباءة القرار العربي والاشتراطات الاسرائيلية.
وبناء عما سبق لدينا طرفين لقيادة الشغب الفلسطيني وكل طرف يعمل على مشروعة الخاص مشروع يقاوم الاحتلال ومشروع آخر يفاوض وبين الاثنين من التجربة ما يؤكد أن مشروع المقاومة هو الأقرب لبيئة الشعب الفلسطيني لأن الأخير بات يدرك لا حلول تستعيد حقه بالحرية سوى المقاومة في ظل أن الاحتلال يتغول في الشغب الفلسطيني من اعتقالات وهدم للبيوت واستباحة الدم والتضيق الاقتصادي وغيرها من السلوكيات التي نهشت الواقع النفسي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.
وبات واضحا ايضا "أن من يقاوم أكثر يربح أكثر".
الوهم السادس والسابع والثامن: تحرير فلسطين دون مقاومة مسلحة، وقيادة المشروع الوطني بقيادة متنازلة عن الوطن “تمظهرات” الدولة قبل نجاح الثورة.
يقول ميخا جودمان في كتابه مصيده 67: "خلال فترة الانتفاضة الأولى التي اندلعت في عام 1987 كان 21% من الإسرائيليين يؤيدون قيام دولة فلسطينية، مقابل ذلك خلال الانتفاضة الثانية عام 2001 أصبح 57% من الاسرائيليون يؤيدون قيام دولة فلسطينية".
بحسب ميخا أن انتفاضة الشعب الفلسطيني قامت على كسر مبادئ اليمين الاسرائيلي وحتى اليسار الاسرائيلي، واعتقد أن هذه الارقام تدلل على مدى تأثير ثورة الشعب على المبادي الاساسية لدى الصهاينة لأن القوة تعمل على تغيير المعادلات وهذا ما اثبتته معركة سيف القدس بتاريخ 7 مايو 2021.
وفي سياق أخر عندما اعتبر الاحتلال مرض قامت القيادة في الفلسطينية في حقبة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بالبحث عن علاج لهذا المرض، ولنكتشف بعد 28 سنة أن هذا العلاج كان فاسداً، وأن الشعب الفلسطيني اليوم يبحث عن علاج لمعالجة العلاج الفاسد بالتزامن مع علاج المرض وهذا ارهق الشارع الفلسطيني، وكان من الممكن تفادي هذا الخلل الذي اطال عمر الاحتلال.
الفشل في العلاج وبالتوافق مع د. محسن صالح اصبح التحرير وبالتجربة لا يمكن بدون مقاومة مسلحة على رأس كافة أنواع المقاومة، وبات واضحاً أن المقاومة كما التجارب للشعوب السابقة هي ما تحرر البلاد المحتلة.
أن يعيش الاحتلال بهدوء يعني أن يعيش بأمان هو هدفه الرئيسي لأن الامن سوف يجلب له الاقتصاد القوي، ولذلك عمل على دعم وجود كيان سياسي فلسطيني يرفض ما يسمى العنف "المقاومة"، وحافظ على التنسيق الأمني الذي هو مصلحة له لأن هدفه من التنسيق تجفيف منابع المقاومة خصوصا في الضفة في ظل حصار قطاع غزة وأسرلة الداخل الفلسطيني، ولذلك يجب الحفاظ على الحالة الجماعية للمقاومة في غزة، وتطوير الحالة الفردية للمقاومة في الضفة لقوة التأثير وتحويل هذه الحالة الفردية لجماعية بالرغم من الوضعي الأمني المعقد ليدفع الاحتلال ثمن وجوده.
يقول جورج حبش : " الصراع صراع وجود"، وهو ايضا صراع إنساني بحت فالمقاومة بفعلها تجسد إنسانيتها بالمطالبة بحقوقها البشرية المشروعة وعلى رأسها العيش بدون خوف، بالمقابل الاحتلال يمارس فعله اللاإنساني بقتل هذا الحلم بالإرهاب الصهيوني.
هذا الصراع سيبقى يعيش حالة المد والجزر حتى تثبت رؤية هلال الحق وهذا الهلال يحتاج إلى قوة أهل الحق ومدى صمودهم، لا بقيادة تعيش التمظهر على حساب القضية بصناعة وهم ما تسمى الدولة الفلسطينية والعيش برفاه تحت الاحتلال، أن الفعل الأخير للقيادة الفلسطينية أتوافق والرأي مع د. محسن صالح يحرف المسار عن القضية الفلسطينية وعن جوهرها.
ولا يمكن قيادة المشروع الوطني الفلسطيني الذي يهدف إلى الخلاص من الاحتلال بالعقلية الموجودة الحالية التي بالأساس لم تلتزم بالحد الادنى للتنازلات التي قدمتها، خصوصا بعد ان كان ابو مازن يطالب في اوسلوا بحل الدولتين، أصبح يطالب بدولة واحدة تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين، على الرغم من أن الاحتلال يرفض الفكرتين ويعتبرهم مصيده.
وربما اضيف هنا قصة كانت تحدث مع جدي" كان جدي في الشتاء يحتضن المدفأة وعندما تقول له جدتي: محمد ضع المدفأة في النصف حتى يتدفأ الضيوف الجو بارد جداً، كان يقول لها: أين هو الشتاء يا عجوز؟!". وأعتقد هذا هو حال القيادة الفلسطينية أين هو الاحتلال!.

